محمد جمال الدين القاسمي

59

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقد ورد ما يفيد الندب إلى تخفيفه وكراهة المغالاة فيه . أخرج أبو داود والحاكم ، وصححه ، من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : « خير الصداق أيسره » . و في صحيح مسلم « 2 » عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال له : إني تزوجت امرأة من الأنصار . فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : هل نظرت إليها ؟ فإن في عيون الأنصار شيئا . قال : قد نظرت إليها . قال : على كم تزوجتها ؟ قال على أربع أواق . فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : على أربع أواق ! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل . ما عندنا ما نعطيك . ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه . قال فبعث بعثا إلى بني عبس ، بعث ذلك الرجل فيهم . الثانية : خص تعالى ذكر من آتى القنطار من المال بالنهي ، تنبيها بالأعلى على الأدنى . لأنه إذا كان هذا ، على كثير ما بذل لامرأته من الأموال ، منهيّا عن استعادة شيء يسير حقير منها ، على هذا الوجه ، كان من لم يبذل إلا الحقير منهيّا عن استعادته بطريق الأولى . ومعنى قوله وَآتَيْتُمْ واللّه أعلم : وكنتم آتيتم . إذ إرادة الاستبدال ، في ظاهر الأحمر ، واقعة بعد إيتاء المال واستقرار الزوجية - كذا في الانتصاف . الثالثة : اتفقوا على أن المهر يستقر بالوطء . واختلفوا في استقراره بالخلوة المجردة . ومنشأ ذلك : أن ( أفضى ) في قوله تعالى : وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ . يجوز حملها على الجماع كناية ، جريا على قانون التنزيل من استعمال الكناية فيما يستحيي من ذكره . والخلوة لا يستحيي من ذكرها فلا تحتاج إلى كناية : ويجوز إبقاؤها على ظاهرها . قال ابن الأعرابيّ : الإفضاء في الحقيقة الانتهاء . ومنه : وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ . أي انتهى وآوى . هذا ، والكناية أبلغ وأقرب في هذا المقام . ومما يرجحها أنه تعالى ذكر ذلك في معرض التعجب فقال : وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض . والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة ، وهو الجماع ، لا مجرد الخلوة . فوجب حمل الإفضاء إليه - ذكره الرازيّ من

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : النكاح ، 31 - باب فيمن تزوج ولم يسمّ صداقا حتى مات ، حديث 2117 . ( 2 ) أخرجه في : النكاح ، 12 - باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها ، حديث 75 .